محمد المقداد الورتتاني
94
البرنس في باريس
الحال وانعكست القضية ، وما بالطبع لا يتخلف . فاضطربت السفينة وغلقت شبابيك غرف النوم لأن شرب الماء المالح لا ينطبق على صحتها : ومخالط السلطان مثل سفينة * في البحر ترعد دائما من خوفه إن أدخلت من مائه في جوفها * آوى بها مع مائها في جوفه فكأنه يعاملها بشريعة المصريين إذ كانوا يعاقبون السارق بأن يسترق طول دهره ، كما قصته علينا سورة يوسف ، فصعدت إلى الطبقة العليا وبها بيوت الأكل والجلوس منظمة بأحسن من بيوت المنازل البرية ، وكلما زاد النهار ازداد الاضطراب وأتعب الدوار الركاب وبالأخص أصحاب الدرجة الرابعة الذين على سطح السفينة ، فقد ابتلت حقائبهم وأمتعتهم التي طفت عليها الأمواج ، فأصعدوهم على سطح بيوت الأكل ومجالس الراحة بعدا عن تيار الماء واختطاف الأمواج حيث مجالس الرتبة الأولى والثانية بأسفل بطن السفينة ، وأما الرتب الأخيرة والرخيصة ففي أعلاها عرضة للحر والقر . وكذلك مجالس التمثيل حيث أهل الدرجة الأولى ينظرون للمرسح وأدوار الرواية أفقيا على مساواة سطح مجالسهم . وصار منظر السفينة محزنا حيث لا يرى إلا ركاب مبتلي الثياب وآخرون بدواير السفينة يتجرعون ما في بطونهم من آلام الدوار ، والبعض ملقى على الكراسي والكنبيات لا حراك به ، وطائفة على الأرض تئن بدون أن تقدر على الوقوف ، ومنهم من يحاول المشي نازلا إلى الطبقة السفلى التي بها غرف النوم وبيوت التطهير ، والبعض يعاني الصعود للجلوس في الطبقة العليا استنشاقا للهواء . وبالجملة وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى ولكن دوار البحر شديد ، وتحقق قول الشاعر : ترى متنه سهلا إذا الريح أقلعت * وإن عصفت فالسهل منه وعور حاولت في أول الأمر الثبات وعدم الاكتراث وكنت لا أعرف معنى لآلام الدوار